فصل: ثم دخلت سنة خمس ومائتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن أهل بغداد خلعوا المأمون وبايعوا لإبراهيم بن المهدي بالخلافة وسمّوه المُبارك وفي وقت فعلهم هذا قولان‏:‏ أحدهما أنه أول يوم من المحرم والثاني لخمس خلون منه‏.‏ وصعد إبراهيم المنبر فكان أول من بايعه عبيد الله بن محمد الهاشمي ثم منصور بن المهدي ثم سائر الناس ثم بنو هاشم ثم القواد وكان المتولّي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك وكان الذي سعى في ذلك وقام به‏:‏ السندي وصالح صاحب المصلى ومنجاب ونصير الوصيف وسائر الموالي إلا أن الذين سميناهم كانوا الرؤساء والقادة وإنما فعلوا ذلك غضبًا على المأمون حين أراد إخراج ولمَا فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيهم أرزاقًا لستة أشهر فدافعهم بها فلمَّا رأوا ذلك شنعوا عليه فأعطى كل رجل منهم مائتي درهم وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة ما لهم من الحنطة فخرجوا في قَبْضها فلم يمرّوا بشيء إلا نهبوه وأخذوا النصيبين جميعًا‏:‏ نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسواد كله وعسكر بالمدائن وولّى الجانب الشرقيّ من بغداد العباس والجانب الغربيّ إسحاق بن موسى الهادي ‏.‏

وأمر أن يُستتاب المريسي ‏.‏

أخبرنا أبو منصور قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا علي بن أبي علي قال‏:‏ أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال‏:‏ هاجت العامة على بشر المريسي فسألوا إبراهيم بن المهدي أن يستتيبه وأمر إبراهيم قتيبة بن زياد القاضي أن يُحضره مسجد الرصافة ‏.‏

فحدثني محمد بن أحمد بن إسحاق عن محمد بن خلف قال‏:‏ سمعت محمد بن عبد الرحمن الصيرفي يقول‏:‏ شهدت المسجد الجامع بالرصافة وقد اجتمع الناس وجلس قتيبة بن زياد وأقيم بشر المريسي على صندوق من صناديق المصاحف عند باب الخدم وقام المستمليان أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس مستملي ابن عيينة وهارون بن موسى مستملي يزيد بن هارون يذكران‏:‏ أن أمير المؤمنين إبراهيم بن المهدي أمر قاضيه قتيبة بن زياد أن يستتيب بشر بن غياث المريسي عن أشياء عمّدها منها‏:‏ ذكر القرآن وغيره وأنه تائب فرفع بشر صوته يقول‏:‏ معاذ اللّه إني لست بتائب فكثر الناس عليه حتى كادوا يقتلونه وأدخل إلى باب الخدم وتفرّق الناس ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خرج مهدي بن عُلوان الحروري فوجه إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد في جماعة من القواد فهزم مهديًا ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن عمر بن أحمد الواعظ قال‏:‏ أخبرنا أبي قال‏:‏ قال إسماعيل بن علي‏:‏ وبايع أهل بغداد لأبي إسحاق إبراهيم بن المهدي ببغداد في داره المنسوبة إليه في ناحية سوق العطش وسموه المبارك ويقال‏:‏ سُمِّي المرضي وذلك يوم الجمعة لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين ومائتين وأمه أم ولد يقال لها‏:‏ شكلة وبها يعرف فغلب على الكوفة والسواد وخطب له على المنابر وعسكر بالمدائن ثم رجع إلى بغداد فأقام بها والحسن بن سهل مقيم في حدود واسط خليفة للمأمون والمأمون ببلاد خُراسان فلم يزل إبراهيم مقيمًا ببغداد على أمره يدعى بأمير المؤمنين ويُخطب له على منبري بغداد وما غلب عليه من السواد والكوفة ثم رحل المأمون متوجهًا إلى العراق وقد توفي علي بن موسى الرضي فلما أشرف المأمون على العراق وقرب من بغداد ضعف أمر إبراهيم بن المهدي وقصرت يده وتفرَّق الناس عنه فلم يزل على ذلك إلى أن حضر الأضحى من سنة وفي هذه السنة‏:‏ وثب أخو أبي السرايا بالكوفة فبيض واجتمعت إليه جماعه فلقيه غَسّان بن الفرج في رجب فقتله وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهدي ‏.‏

وفيها‏:‏ ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوعي فحبسه وعاقبه وقد ذكر عن سهل أنه كان يأمر بالمعروف واجتمع إليه عامة أهل بغداد وكان كل مَنْ أجابه يثني على بابه بُرجًا بجصّ وآجرّ وينصب عليه السلاح والمصحف حتى بلغوا قرب باب الشام وكان سهل يذكر الولاة بأقبح أعمالهم ويقول‏:‏ الفساق ‏.‏

فقاتله أصحاب إبراهيم بن المهدي وخذله العوام حتى أخذ فأتى به إسحاق بن الهادي فقال له‏:‏ حرضت علينا الناس وعبت أمرنا فقال‏:‏ إنما كنت أدعو إلى العمل بالكتاب والسُّنَّة ‏.‏

فقالوا له‏:‏ اخرج فقل إنما الذي كنت أدعو إليه باطل‏:‏ فخرج فقال‏:‏ إن الذي كنت أدعو إليه من الكتاب والسنة أنا أدعو إليه اليوم فوجئ عنقه وضربوه وقُيِّد وحُبس وخُفي أمره وفي هذه السنة‏:‏ شخص المأمون من مرو يريد العراق وكان سبب ذلك‏:‏ أنه أخبر بالقتال والفتن منذ قتل الأمين وأن أهل بيته قد غضبوا لمبايعة علي بن موسى وأنهم قد بايعوا لإبراهيم بن المهدي وكان الفضل بن سهل يكتمه هذه الأحوال فلما أخبر بها وبان أن هرثمة إنما جاء لنصحه وأنه إن لم يتدارك الأمر خرجت الخلافة من يده وأن طاهر بن الحسين لمَّا وطأ له الخلافة أخرج من الأمر وصُيِّر في زاوية في الرقة وأنه لو كان ببغداد لم يجترئ أحد على ما اجترأ عليه وإنك لو خرجت عاد إليك بنو هاشم كلهم وأطاعوا ولم يخبروا بهذا حتى أخذوا خطة بالأمان من الفضل بن سهل لأنه كان لا يظهره على شيء من هذا فلما تحقق الأمر عنده وأمر بالرحيل إلى بغداد علم الفضل بن سهل ببعض أمورهم فتعنتهم فضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضهم ثم ارتحل من مرو فلما دخل سرخس دخل أربعة نفر على الفضل بن سهل وهو في الحمام فقتلوه وهربوا فطلبهم المأمون فقتلهم وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل وأعلمه ما دخل عليه من المصيبه بقتل الفضل بن سهل وأنه صيَّره مكانه ووصل الخبر بذلك إلى الحسن في رمضان وجعل المطلب يدعو في السر للمأمون وخلع إبراهيم فأجابه منصور وخزيمة وقوّاد كثير وعلم إبراهيم فبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة فاعتلوا عليه ونهب ألفًا من دار المطلب ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل إلا أنه دخل بها في سنة عشر وسنذكر هناك خبرها ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ زوج المأمون علي بن موسى الرضي ابنته أم حبيب وزوّج محمد بن علي بن موسى ابنته أم الفضل ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أجاز لي أبو نصر أحمد بن محمد بن حسنون النرسي وحدثنيه ثقة من أصحابنا عنه قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم بن حامد بن شباب الأصبهاني قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن يحيى قال‏:‏ سمعت يحيى بن أكثم يقول‏:‏ لما أراد المأمون أن يزوج ابنته من الرضي قال لي يا يحيى تكلم ‏.‏

قال‏:‏ فأجللته أن أقول له‏:‏ أنكحت فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين أنت الحاكم الأكبر وأنت أولى بالكلام فقال‏:‏ الحمد لله الذي تصاغرت الأمور بمشيئته ولا إله إلا اللّه إقرارًا بربوبيته وصلى الله على سيدنا محمد عند ذكره أما بعد‏:‏ فإن الله جعل النكاح الذي رضيه سببًا للمناسبة ألا وإني قد زوَّجت ابنتي من علي بن موسى الرضي وأمهرتها عنه أربعمائة درهم ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد ودعا لأخيه بعد المأمون ولاية العهد ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن وكان قد غلب عليها حمدويه بن علي بن موسى بن ماهان ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

الفضل بن سهل بن عبد الله كان من أولاد ملوك المجوس وأسلم أبوه سهل في أيام الرشيد واتصل بيحيى بن خالد البرمكي واتصل الفضل والحسن ابنا سهل بالفضل وجعفر بن يحيى بن خالد فضمّ جعفر بن يحيى الفضل بن سهل إلى المأمون وهو ولي عهد وقيل‏:‏ إن الفضل لما أراد أن يُسلم كره أن يُسلم على يد الرشيد والمأمون فصار وحده إلى الجامع يوم الجمعة فاغتسل ولبس ثيابه ورجع مسلمًا وغلب على المأمون لخلاله الجميلة من الكرم والوفاء والبلاغة والكتابة فلما استخلف المأمون فوَض إليه أموره كلها وسماه ذا الرئاستين لتدبيره أمر السيف والقلم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن عمر النرسي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال‏:‏ حدثنا ابن الأنباري قال‏:‏ قال رجل للفضل بن سهل اسكتني عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد وحيًرني فيها كثرة عددها فليس لي إلى ذكرها جميعها سبيل وإذا أردت وصف واحدة اعترضت أختها إذ كانت الأولى ليست بأحق في الذكر فلست أصفها إلا بإظهار العجز عن وصفها ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا أبو بشر محمد بن أبي السري الوكيل قال‏:‏ حدثنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال‏:‏ أخبرني الصولي قال‏:‏ أنشدنا ثعلب قال‏:‏ أنشدنا إبراهيم بن العباس الصولي لنفسه في الفضل بن سهل‏:‏ فبسطتها للغنى وسطوتها للأجل وباطنها للندى وظاهرها للقبل فأخذه ابن الرومي فقال للقاسم بن عبيد الله‏:‏ أَصبحت بين خصاصة وتجمل والمرء بينهما يموت هزيلا فامدد إليّ يدًا تعود بطنها بذل النوال وظهرها التقبيلا أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الواحد المنكدري قال‏:‏ حدثني أبو أحمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد المنقري قال‏:‏ أخبرنا الصولي قال‏:‏ أخبرنا القاسم بن إسماعيل قال‏:‏ حدثني إبراهيم بن العباس الصولي قال‏:‏ اعتل الفضل بن سهل ذو الرئاستين علة بخْراسان ثم برأ فجلس للناس فهنأوه بالعافية وتصرفوا في الكلام فلما فرغوا أقبل على الناس فقال‏:‏ إن في العلل لنعمًا ينبغي للعقلاء أن يعرفوها بمحيص الذنوب وتعرض لثواب الصبر وإيقاظ من الغفلة وإذكار بالنعمة في حال الصحة واستدعاء للتوبة وحضّ على الصدقة فنسي الناس ما تكلموا به وانصرفوا بكلام الفضل ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الحسن بن أبي بكر قال‏:‏ كتب إلي محمد بن إبراهيم أن أحمد بن حمدان أخبرهم قال‏:‏ حدثنا أحمد بن يونس الضبي قال‏:‏ حدثنا أبو حسان الزيادي قال‏:‏ سنة اثنتين ومائتين فيها قتل ذو الرئاستين الفضل بن سهل يوم الخميس لليلتين خلتا من شعبان بسرخس في الحمام اغتاله نفر فدخلوا عليه فقتلوه فقتل به المأمون عبد العزيز بن عمران الطائي ومؤنس بن عمران البصري وخلف بن عمرو البصري وعلي بن أبي سعيد وسراجًا الخادم ‏.‏

قال المصنف رحمه الله‏:‏ وفي رواية أخرى‏:‏ أنه لما رحل المأمون من مرو ووصل إلى سرْخس شد أربع نفر من خواص المأمون وهم غالب المسعودي وقسطنطين الرومي وفرج الديلمي وموفق الصقلي على الفضل بن سهل وهو فيِ الحمام فقتلوه وهربوا وذلك في يوم الجمعة لليلتيِن خلتا من شعبان هذه السنه فجعل المأمون لمن جاء بهم عشرة آلاف دينار فجاء بهم العباس بن القاسم فقالوا للمأمون‏:‏ أنت أمرتنا بقتله فأمر بهم فضربت أعناقهم ‏.‏

وذكر الجاحظ أن عمر الفضل كان إحدى وأربعين سنة وخمسة أشهر ‏.‏

يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد العدوي المعروف باليزيدي صاحب أبي عمرو بن العلاء حدَّث عن أبي عمرو وابن جريج وأخذ عن الخليل من اللغة أمرًا عظيمًا وجلس يومًا إلى جانبه فقال له‏:‏ احسبني ضيقتَ عليك فقال الخليل‏:‏ ما ضاق شيء عن صاحبين والدنيا ما تَسَع متباغضين ‏.‏

وإنما قيل له‏:‏ اليزيدي لأنه كان منقطعًا إلى يزيد بن منصور الحميري يؤدب ولده فنسب إليه ثم اتصل بالرشيد فجعل المأمون في حجره وكان يكلم الأمين والمأمون وهما صبيان بكلام بقصيدته تعلم الفصاحة‏:‏ فأكلا يومًا كمأة فتحمَرا فقال لهما اليزيدي‏:‏ فلأ كلأكما كمأكما لا دوا أن دوالا سلا وكان الرشيد قد وكل بهما خادمًا يؤدي إليه ما يجري منهما فمضى إلى الرشيد وقال له‏:‏ إنه اليوم علمهما كلام الزنجية فدعاه فقال‏:‏ أحسنت الزنجية قط قال‏:‏ كذا عرفني الخادم‏.‏

فقال الخادم‏:‏ بلى قد كان ذلك وقت أكل الكمأة فقال اليزيدي‏:‏ إنما قلت كذا ليتفصَّحا وأنا أفعل مثل هذا كثيرًا ‏.‏

فقال الرشيد‏:‏ لا تلم الخادم فلولا التقدمة لظننته أنا بالزنجية ‏.‏

وكان اليزيدي أحد القراء الفصحاء الشعراء عالمًا بلغات العرب ثقة وكان يجلس في أيام الرشيد مع الكسائي ببغداد في مسجد واحد يقرئان الناس وكان الكسائي يؤدّب الأمين واليزيدي يؤدب المأمون فأقر الرشيد الكسائي أن يأخذ على الأمين بحرف حمزة وأمر اليزيدي أن أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الواحد البزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو سعيد السيرافي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن أبي الأزهر قال‏:‏ أخبرنا الزبير بن بكار قال‏:‏ أنشدني‏:‏ إسحاق بن أبي إبراهيم قال‏:‏ أنشدني أبو محمد اليزيدي‏:‏ إذا نكبات الدهر لم تعظ الفتى وتفرغ منه لم تعظه عواذلُهْ ومن لم يؤدبه أبوه وأمه تؤدبه رُوعُ الردى وزلازلُهْ فدع عنك ما لا تستطيع ولا تطع هواك ولا يُغلب بحقك باطلْه توفي اليزيدي في هذه السنة ‏.‏

أبو إسحاق المولاي ‏.‏

من أهل الريّ كان يُقال إنه من الأبدال وله كرامات ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا الخطيب قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق إجازة حدثنا جعفر الجلدي قال‏:‏ حدثنا ابن منصور قال‏:‏ سمعت محمد بن منصور يقول‏:‏ جئت مرة إلى معروف الكرخي فغضَّ أنامله وقال‏:‏ هاه لو لحقت أبا إسحاق الدولابي كان ها هنا الساعة يسلم عليَّ فذهبت أقوم فقال لي‏:‏ اجلس لعله قد بلغ منزله بالريّ ‏.‏

توفي أبو إسحاق الدولابي في هذه السنة رحمة الله عليه ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن المأمون شخص من سرخس حتى صار إلى طوس فأقام عند قبر أبيه أيامًا ثم إن علي بن موسى بن جعفر أكل عنبًا فأكثر منه فمات فجأة وذلك في آخر صفر فصلى عليه المأمون وأمر بدفنه عند قبر أبيه الرشيد وكتب في شهر ربيع الأول إلى الحسن بن سهل يعلمه بوفاته ويعلمه ما دخل عليه من الغم به وكتب إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موت علي وإنهم إنما نقموا بيعته من بعده ويسألهم الدخول في طاعته فكتبوا إليه بأغلظ كتاب ورحل المأمون من طوس يريد بغداد فلما صار إلى الري أسقط من وظيفتها ألف ألف درهم ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ غلبت السوداء على الحسن بن سهل فتغير بذلك المرض عقله حتى قُيد وكتب بذلك قوًاد الحسن إلى المأمون فكتب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله ‏.‏

وفيها‏:‏ ضرب إبراهيم بن المهدي عيسى بن محمد بن أبي خالد وحبسه ‏.‏

وسبب ذلك‏:‏ أنه كان يكاتب حُميدًا والحسن ويظهر لإبراهيم الطاعة فإذا قال له إبراهيم‏:‏ تهيأ للخروج لقتال حُميد اعتلّ بأن الجند يريحون أرزاقهم وتارة يقول‏:‏ حتى تدرك الغلة فلما توثق فيما بينه وبين الحسن وحميد فارقهم على أن يدفع إليهم إبراهيم يوم الجمعة لانسلاخ شوال فبلغ ذلك إبراهيم فأخذ الحفر وبعث إليه ليأتي فاعتل فأعاد الرسول فأمر به فضُرب وحُبس وأخذ جماعة من قواده فحبسهم وحبس أم ولده وصبيانه فنهض أهل بيت عيسى وأصحابه فحرضوا الناس على إبراهيم فشدوا على عامل إبراهيم فطردوه وطردوا جميع عماله فلما كان يوم الجمعة صلوا أربع ركعات بغير خطبة فأخرج إبراهيم عيسى من الحبس وسأله المدافعة عنه فأبى وأخرج إبراهيم أصحابه ليقاتلوا فهزمهم حُميد فلما رثى إبراهيم هذه الحال اختفى في ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة وبعث المطلب إلى حميد يعلمه أنه قد أحاط بدار إبراهيم فإن كان يريده فليأته فأتوا فلم يجدوه في الدار ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ حدثنا عبيد الله بن عمر الواعظ قال‏:‏ حدثنا أبيِ قال‏:‏ قال إسماعيل بن علي لما حضر الأضحى من سنة ثلاث ومائتين‏:‏ ركب إبراهيم في زي الخلافة فصلّى بالناس صلاة الأضحى ومضى من يومه إلى داره المعروفة فلم يزل فيها إلى آخر النهار ثم خرج منها بالليل فاستتر وانقضى أمره وكانت مدته منذ بويع له بمدينة السلام إلى أن استتر سنة وأحد عشر شهرًا وخمسة أيام ثم ظفر به المأمون فعفى عنه وفي هذه السنة‏:‏ انكسفت الشمس لليلة بقيت من ذي الحجة حتى ذهب ضوؤها وغاب أكثر من ثلثيها فلم تزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت ‏.‏

وصار المأمون إلى همذان في ذي الحجة في آخرها ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة‏:‏ سليمان بن عبد الله بن سليمان بن علي ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن أي طيبة بن عيسى بن سليمان بن دينار الدارمي

حدث عن مالك بن أنس وولاه المأمون قضاء جرجان ثم ولاه قضاء قومس فأقام بها يقضي حتى توفي في هذه السنة حسين بن علي أبو عبد الله الجعفي‏:‏ كان عالمًا عابدًا قال أحمد بن حنبل‏:‏ ما رأيت بالكوفة أفضل من حسين الجعفي كان يشبه بالرهبان ‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا عبد القادر بن محمد بن يوسف قال‏:‏ أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال‏:‏ أنبأنا عبد العزيز بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الخلال قال‏:‏ حدثني محمد بن عبيد الرحبي قال‏:‏ سمعت أبا بكر بن سماعة يقول‏:‏ كنا عند ابن أبي عمر العدني بمكة فسمعناه يقول‏:‏ قدم علينا هارون قدمة إلى هذا المسجد فأخبرني الخادم الذي كان معه قال‏:‏ كنت معه ومعه جعفر بن يحيى فخرجنا جميعًا حتى صرنا إلى الثنية فقال لي‏:‏ سل عن حسين بن علي الجعفي فلقيت رجلًا فقلت له‏:‏ حسين بن علي الجعفي فقال‏:‏ هو ذا يطلع عليك راكبًا حمارًا وخلفه أسود يقود أحمالًا له فإذا هو قد طلع فقلت‏:‏ هو ذا يا أمير المؤمنين فلما حاذاه قام إليه فقبل يده أو قال رجله - فقال له جعفر‏:‏ أتدري من المسلم عليك يا شيخ هو أمير المؤمنين هارون فالتفت إليه حسين فقال له‏:‏ أنت يا حسن الوجه مسؤول عن هذا الخلق كلهم ‏.‏

فقعد يبكي وأتانا آت ونحن عند ابن عيينة فقال لسفيان قدم حسين بن علي الجعفي فقام إليه يتلقاه وخرجنا معه فلما صار في الطريق إلى باب بني شيبة لقيه فضيل بن عياض فقال له‏:‏ أين تريد يا أبا محمد فقال‏:‏ قدم حسين الجعفي فأردت لقاءه فقال‏:‏ أنا معك فخرجا يمشيان جميعًا ونحن خلفهما فلما صرنا في أصحاب اللؤلؤ إذا حسين راكب حمارًا فتقدم إليه فضيل فقبًل رجله وتقدم سفيان فقبّل يده أو قبل سفيان رجله وفضيل يده فقال له فضيل‏:‏ بأبي رجل تعلمت القرآن على يديه أو علمني الله القرآن على يديه ثم دخل المسجد فطاف بالكعبة وجاء إلى توفي الجعفي في هذه السنة ‏.‏

الحسين بن الوليد أبو عبد الله القرشي النيسابوري سمع ابن جريج وابن أبي ذئب ومالك بن أنس وابن لهيعة والثوري والحمادين روى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وابن راهويه ويحيى بن يحيى وكان ثقة فقيهًا قارئًا للقرآن قرأ على الكسائي وكان يغزو الترك في كل ثلاث سنين ويحج في كل خمس وكان له مال وكان سخيًا وكان يقول‏:‏ مَنْ تعشى عندي فقد أكرمني ‏.‏

توفي في هذه السنة وقيل في التي قبلها ‏.‏

خزيمة بن خازم النهشلي القائد كان له تقدم ومنزلة عند الخلفاء ودرب خزيمة ببغداد ينسب إليه وقد أسند الحديث عن ابن أبي ذئب توفي في شعبان هذه السنة بعد أن عمي ‏.‏

زيد بن الحباب بن الريان أبو الحسن التيمي العكلي الكوفي سمع مالك بن مغول وسفيان الثوري وشعبة ومالك بن أنس وابن أبي ذئب ‏.‏

روى عنه‏:‏ يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وقال فيه‏:‏ كان صاحب حديث كيسًا صدوقًا وقد رحل عمرو بن شعيب أبو داود الجفري وجفر موضع ‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أنبأنا الحسن بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الخلال قال‏:‏ حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب قال‏:‏ قرأت على أبي بكر محمد بن أحمد بن جعفر القاضي حدثكم محمد بن العباس المستملي قال‏:‏ حدثنا أبو بكر المروزي قال‏:‏ سمعت أحمد بن حنبل يقول‏:‏ رأيت أبا داود الجفري وعليه جبة مخرقة قد خرج القطن منها يصلي بين المغرب والعشاء وهو يترجج من الجوع وبلغني عن عباس الدوري قال‏:‏ لو رأيت أبا داود لرأيت رجلًا كأنه أطلع على النار فرأى ما فيها أسند أبو داود عن الثوري وغيره ‏.‏

وتوفي في هذه السنة ‏.‏

علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام أبو الحسن الرضي سمع أباه وعمومته وغيرهم وكان يفتي في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنة وكان المأمون قد أمر بإشخاصه من المدينة فلما قدم نيسابور أخرج وهو في عمارية على بغلة شهباء فخرج علماء البلد في طلبه مثل يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهويه ومحمد بن رافع وأحمد بن حرب وغيرهم ‏.‏

فأقام بها مدة والمأمون بمرو إلى أن أمر بإخراجه إليه وجعله ولي عهده على ما سبق ذكره فلما رأوا أن الخلافة قد خرجت إلى أولاد فتوفي بطوس في قرية يقال لها سناباذ في رمضان هذه السنة ‏.‏

فقال الصولي‏:‏ ومدحه أبو نواس فقال‏:‏ قيل لي أنت واحد الناس في كُلْ ل كلام من المُقال بَدِيهِ لك في جوهر الكلام بديعٌ يثمر الدُر في يدي مُجتنيه فعلى من تركت مدح ابن موسى والخصال التي تجمعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل خادمًا لأبيه محمد بن بكر أبو عثمان وقيل أبو عبد الله البصري البرساني وبرسان من الأزد سمع ابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وشعبة وقم بغداد وحدَث بها فروى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما وقال يحيى‏:‏ كان ثقة ظريفًا وتوفي بالبصرة في ذي الحجة من هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة أربع ‏.‏

حَدث عن أبيه وروى عنه جماعة وكان محمد قد خرج بمكة في أيام المأمون ودعى إلى نفسه فبايعه أهل الحجاز وتهامة بالخلافة يوم الجمعة لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة مائتين فلم يزل يسلم عليه بالخلافة منذ بويع إلى يوم الثلاثاء خامس جمادى الأول ‏.‏

فحج بالناس المعتصم وبعث إليه مَنْ حاربه وقبض عليه وأورده بغداد في صحبته والمأمون إذ ذاك بخراسان فوجَّه به إليه فعفا عنه ولم يمكث إلا يسيرًا حتى توفي عنده فقيل إنه جامع وافتصد ودخل الحمام في يوم واحد فكان سبب موته ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن أبي بكر قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن العلوي قال‏:‏ حدثنا جدي قال‏:‏ كان محمد بن جعفر شجاعًا عاقلًا فاضلًا وكان يصوم يومًا ‏.‏

ويفطر يومًا وكانت زوجته خديجة ابنة عبد الله بن الحسين تقول‏:‏ ما خرج من عندنا في ثوب قط فرجع حتى يكسوه ‏.‏

قال أبو محمد‏:‏ وحدثنا جدي قال‏:‏ حدثنا داود بن المبارك قال‏:‏ توفي محمد بن جعفر بخراسان مع المأمون فركب المأمون لشهوده حتى دخل به القبر فلم يزل فيه حتى بنى عليه ثم خرج فقام على القبر فدعا له عبد اللهّ وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إنك قد تعبت فلو ركبت فقال له المأمون‏:‏ هذه رحم قطعت من مائتيِ سنة سمع مسعرًا وسفيان الثوري روى عنه‏:‏ أبو كريب وابن راهويه وكان ثقة صدوقًا ‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

النضر بن شميل أبو الحسن المازني المروزي سكن مرو وسمع من ابن عون وعوف وشعبة وغيرهم وكان راوية للشعر وله المعرفة بالنحو واللغة وأيام الناس ‏.‏

توفي بخراسان في هذه السنة ‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا أبو الغنائم محمد بن علي بن ميمون قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن محمد العلوي وأبو الفرج محمد بن أحمد بن علان الشاهد قالا‏:‏ أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الهرواني قال‏:‏ وحدثني أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني قال‏:‏ حدثنا أبو الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي قال‏:‏ وحدثني الزبير بن بكار قال‏:‏ حدثني النضر بن شميل قال‏:‏ دخلت على المأمون بمرو وعلي أطمار ممر عمله فقال لي‏:‏ يا نضر تدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق فقال‏:‏ لا ولكنك متقشف فتجارينا الحديث فقال المأمون‏:‏ حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان ذلك سداد من عوز ‏"‏ قلت‏:‏ صدق فوك عن هشيم يا أمير المؤمنين حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي صلى لله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا تزوج الرجل إلى المرأة لدينها وجمالها كان في ذلك سداد من عوز‏"‏‏.‏

وكان المأمون متكئًا فاستوى المأمون جالسًا وقال‏:‏ السداد لحن يا نضر قلت‏:‏ نعم ها هنا وإنما لحن هشيم وكان لحانة فقال‏:‏ ما الفرق بينهما قلت‏:‏ السداد‏:‏ القصد في الدين والسبيل ‏.‏

والسداد‏:‏ البلغة وكلما سددت به شيئًا فهو سداد قال‏:‏ فتعرف العرب ذلك قلت‏:‏ نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يقول‏:‏ أضاعوني وأي فتى أضاعوا اليوم كريهه وسداد ثغر قال‏:‏ فأطرق المأمون مليًا ثم قال‏:‏ قبح الله من لا أدب له ثم قال‏:‏ أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب قلت‏:‏ قول ابن بيض يا أمير المؤمنين في الحكمّ بن مروان‏:‏ تقول لي والعيون هاجعة أقم علينا يومًا فلم أقم أي الوجوه انتجعت قلتَ لها وأي وجه إلا إلى الحكم متى يقل حاجبا سرادقه هذا ابن بيض بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلًا فهات ادخل أعطى سلمي قال المأمون لله درك لكأنما شق لك عن قلبي أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت قول ابن إني وإن كان ابن عمي غائبًا لمزاحم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان أمرًا متزحزحًا في أرضه وسمائه وأكون واري سره فأصونه حتى يحن عليَّ وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه قربت صحيحهما إلى جريان وإذا دعى باسمي لأركب مركبًا صعبًا قعدت له على سيسائه وإذا أتى من وجهه بطريقه لم أطلع مما وراء خبائه وإذا ارتدى ثوبًا جميلًا لم أقل يا ليت أن علي فضل ردائه قال‏:‏ أحسنت يا نضر أنشدني الآن أقنع بيت للعرب فأنشدته قول ابن عبدل‏:‏ إني امرؤ لم أزل وذاك من ال له أديب أعلّم الأدبا أقيم بالدار ما أطمأنت بي الدْ دَارُ وإن كنت نازحًا طربا لا أجتري خلة الصديق ولا أنفع نفسي شيئًا إذا ذهبا أطلب ما يطلب الكرام من الر زق بنفسي وأجمل الطلبا مثل الحمار الموقع السوء لا يحسن مشيًا إلا إذا ضُربا ولم أجد عروة الخلائق إل لا الدين إذ اخترت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما شد لعيس رجلًا ولا قتبا ويحرم الرزق ذو المطية وال رحل ومن لا يزال مغتربا قال‏:‏ أحسنت ما شئت يا نضر فعندك ضد هذا قلت‏:‏ نعم أحسن منه قال‏:‏ هات فأنشدته‏:‏ يد المعروف غيم حيث كانت تحملها كفور أو شكور قال‏:‏ أحسنت يا نضر فكتب شيئًا لا أدري ما هو ثم قال‏:‏ كيف تقول‏:‏ أفعل من التراب قلتَ‏:‏ أترب قال‏:‏ والطين قلت‏:‏ أطين قال‏:‏ والكتاب ماذا قلت‏:‏ مترب ومطين ‏.‏

قال هذه أحسن من الأولى وكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يأتي به الفضل بن سهل ومضيت معه فلما قرأ الكتاب قال‏:‏ لحنت أمير المؤمنين يا نضرم قلت‏:‏ كلا ولكن هشيمًا لحانة ‏.‏

فأمر لي بثلاثين ألف درهم فخرجت إلى منزلي بثمانين ألف درهم

 ثم دخلت سنة أربع ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ قدوم المأمون العراق وانقطاع مواد الفتن من بغداد ‏.‏

وكان المأمون لمَا توجّه إلى العراق خلف غسان بن عباد فولى أحمد بن أسد الساماني فرغانة وأخاه نوح بن أسد سمرقند وأخاه يحيى بن أسد‏:‏ الشاس وأشروسنة وأخاهم إلياس بن أسد هراة وهؤلاء أولاد أسد بن سامان وكان سامان من أصحاب أبي مسلم لما ظهر بخُراسان ثم توفي وخلف ابنه أسدًا ثم توفي فخلف هؤلاء وكان أحمد أحسنهم سيرة وكان المأمون في سفره قد أقام بجرجان شهرًا ثم قدم الري فأقام أيامًا ثم جعل يسير فيقيم اليوم واليومين فقال له أحمد بن أبي خالد‏:‏ يا أمير المؤمنين نقدم بغداد وليس معنا سوى خمسين ألف درهم‏:‏ فكيف حالنا إن هاج أمر‏!‏ فقال المأمون‏:‏ إنما نقدم على ظالم فلا يتوقع إلا عفونا ومظلوم فيتوقع إنصافنا فمن كمان لا ظالمًا ولا مظلومًا فبيته يِسعه ‏.‏

فلما وصل إلى النهروان وذلك يوم السبت أقام ثمانية أيام فخرج إليه أهل بيتِه والقواد ووجوه الناس وكان قد كتب إلى طاهر بن الحسين أن يوافيه بالنهروان فلقيه بها ثم دخل بغداد يوم السبت لأربع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع ومائتين بعد ارتفاع النهار ولباسه ولباس أصحابه قلانسهم وأعلامهم كلها الخضرة ولبس أهل بغداد وبنو هاشم كلهم الخضرة وكانوا يخرقون كل شيء يرونه من السواد فلما قدم نزل الرصافة وأمر طاهرًا بنزول الخيزرانية مع أصحابه ثم تحول ونزل قصره على شاطئ دجلة وقيل‏:‏ بل أقام بالرصافة حتى بنى منازل على شاطئ دجلة عند قصره الأول في بستان موسى وأمر القواد بالإقامة في العسكر فكانوا يختلفون إلى دار المأمون كل يوم فلما مضت ثمانية أيام تكلم بنو هاشم وولده العباس خاصة وقالوا‏:‏ يا أميرِ المؤمنين تركت لباس أهل بيتك ‏.‏

وكان المأمون قد أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه فكان أول ما سأله أن يطرح لباس الخضرة ويرجع إلى لباس السواد وزيِ دولة الآباء فلما رأى كراهية الناس للخضرة دعا بسواد فلبسه ودعى بخلعة سواد فألبسها طاهرًا ثم دعا قواده فألبسهم أقبية وقلانس سودًا وطرح لباس الخضرة وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر فلم يلبس الخضرة ببغداد إلا ثمانية أَيام ‏.‏

وروى الصولي‏:‏ أن زينب بنت سليمان بن علي كلمت المأمون في ترك لباس الخُضرة والإضراب عما فعل من تولية أولاد علي عليه السلام فقال لها‏:‏ إن أبا بكر تولى فما ولى أحدًا من بني هاشم ثم عمر كذلك ثم عثمان فأقبل على بني عبد شمس وترك غيرهم ثم ولي علي بن أبي طالب فولي عبد الله بن العباس البصرة وعبيد الله اليمن ومعبدًا مكة وقثمًا البحرين ما ترك منا أحدًا إلا ولاه وكانت هذه في أعناقنا فكافئيه بما فعل قال‏:‏ وقال المأمون‏:‏ ألام على شكر الوصي أبي الحسن وذلك عندي من عجائب ذا الزمن ولولاه ما عدت لهاشم إمرة وكانت على الأيام تعصى وتمتهن فولى بني العباس ما اختص غيرهم ومن منه أولى بالتكرم والمنن فأوضح عبد اللهّ بالبصرة الهدى وفاض عبيد الله جودًا على اليمن وقسم عمال الخلافة بينهم فلا زلت مربوطًا بذا الشكر مرتهن أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال‏:‏ أخبرنا المعافى بن زكريا قال‏:‏ أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن زكريا الغلابي قال‏:‏ أخبرنا أبو سهل الرازي قال‏:‏ لمَّا دخل المأمون بغداد تلقاه أهلها فقال له رجل من الموالي‏:‏ يا أمير المؤمنين بارك الله لك في مقدمك وزاد في نعمك وشكرك عن رعيتك فقد فُقت مَنْ قبلك وأتعبت مَنْ بعدك وآيست أن يعتاض عنك لأنه لم يكن مثلك ولا عُلم شبهك أما فيمن مضى فلا يعرفونه وأما فيمن بقي لا يرتجونه فهم بين دعاء لك وثناء عليك وتمسك بك أخصب لهم جنابك واحلولى لهم ثوابك وكرمت مقدرتك وحسنت أثرتك فجبرت الفقير وفككت الأسير فأنت كما قال الشاعر‏:‏ ما زلت في البذل للنوال وإطلاق لعان بحرمه علق حتى # حتى البراء أنهم عندك أمسوا في القيد والحلق فقال له المأمون‏:‏ مثلك يعيب مَنْ لا يصطنعه ويعز مَنْ يجهل قدره فاعذرني في سالفك فإنك ستجدنا في مستأنفك ‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا ثابت بن بندار قال‏:‏ أخبرنا عبد الوهاب بن علي الملحمي قال‏:‏ حدثنا المعافى بن زكريا قال‏:‏ حدثنا الحسين بن القاسم الكركي قال‏:‏ حدثني أبو جعفر محمد بن القاسم بن مهرويه قال‏:‏ حدثني حسن بن الربيع عن أبيه ربيع بن حباب مولى الرشيد قال‏:‏ لما دخل المأمون بغداد دخلت عليه زبيدة أم جعفر فقالت‏:‏ الحمد لله الذي لقبك بخلافة قد هنئت بها عنك قبل أن أراك ولئن كنت فقدت ابنًا خليفة لقد اعتضت ابنًا خليفة وما خسر من اعتاض مثلك وما ثكلت أم ملأت يدها منك وأنا أسأل الله أجرًا على ما أخذ وإمتاعًا بما وهب ‏.‏

فقال المأمون‏:‏ ما تلد النساء مثل هذه ماذا أبقت في هذا الكلام لبلغاء الرجال ‏.‏

وروى الصولي‏:‏ أنه لما قدم المأمون بغداد من خُراسان كتبت إليه أم جعفر بشعر عمله بعض شعرائها وهو‏:‏ لخير إمام قام من خير عنصر وأفضل راق كان أعواد منبر ووارث علم الأولين وملكهم وللملك المأمون من أم جعفر كتبت وعيني تستهل دموعها إليك ابن عمي من جفوني ومحجري أبى طاهر لا طهر الله طاهرًا فما طاهر في فعله بمطهر فأبرزني مكشوفة الوجه حاسرًا وأنهب أموالي وأحرق أذري وعز على هارون ما قد لقيته وما مرّ بي من ناقص الخلق أعور لّذكر أمير المؤمنين قرابتي فديتك من ذي قربة متذكر فإن يك ما أسدي لأمر امرته صبرت لأمرهن قدير مقدر وإن تكن الأخرى فغير مدافع إليك أمير المؤمنين فغبر فلما قرأ الأبيات بكى وقال‏:‏ أنا والله طالب بثأر أخي قتل الله قتَلَتَهُ وكتب إليها في ظهر رقعتها‏:‏ يعز عليَّ ما لا قيت فيه وأنت الأم خير الأمهات ولم أرض الذي فعلوا إليه من القتل المخالف والشتات أمرت بأخذ هذا الأمر منه وقبض يديه عن تلك الهنات وإني مثله لك فاعلميه على ما كان ما بقيت حياتي وثأري بعد ثأر الله فيه سيذهب بالجبابرة العتاة ثم عبر إليها فعزاها وأكثر البكاء معها فقالت‏:‏ يا أمير المؤمنين‏:‏ إن دواء دائي وباب مسألتي في غدائك اليوم عندي فأقام وقعد فأخرجت إليه من جواري محمد من تغنيه وسألته أن يأخذ منهن مَنْ يرتضيه فغنت واحدة‏:‏ همُ قتلوه كي يكونوا مكانه كما غمرت يومًا بكسرى مرازبه فوثب مغضبًا فقالت زبيدة‏:‏ يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علمتها أو دسست إليها فصدقها وعجب من ذلك ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ أمر المأمون بمقاسمة أهل السواد على الخمس وكانوا يقاسمون على النصف

وفيها‏:‏ ولى المأمون أبا عيسى بن الرشيد البصرة وولى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب الحرمين وهو الذي حج بالناس في هذه السنة ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم أبو عمر العامري ولد سنة أربعين ومائة وكان أحد فقهاء مصر وذوي رأيها ‏.‏

قال محمد بن عاصم المغافري‏:‏ رأيت في المنام قائلًا يقول‏:‏ يا محمد فأجبته فقال‏:‏ ذهب الذين يقال عند فراقهم ليت البلاد بأهلها تتصدع وكان أشهب مريضًا فقلت‏:‏ ما أخوفني أن يموت أشهب فمات من مرضه ذلك ‏.‏

بهلول بن حسان بن سنان أبو الهيثم التنوخي ‏.‏

من أهل الأنبار سمع ببغداد والبصرة والكوفة ومكة والمدينة وحدًث عن شيبان بن عبد الرحمن وورقاء بن عمر والفرج بن فضالة وإسماعيل بن عياش وسعيد بن أبي عروبة وشعبة وحماد بن سلمة وهشيم وغيرهم وكذا حدَث عن مالك وابن عيينة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب قال‏:‏ حدثني علي بن أبي علي عن أحمد بن يوسف الأزرق قال‏:‏ أخبرني عمي البهلول بن إسحاق بن البهلول قال‏:‏ كان جدي البهلول بن حسان قد طلب الأخبار واللغة والشعر وأيام الناس والتفسير والسير فأكثر من ذلك

ثم تزهد إلى أن مات بالأنبار سنة أربع ومائتين ‏.‏

الحسن بن زياد أبو علي اللؤلؤي أحد أصحاب أبي حنيفة حدَث عنه فروى عنه ابن سماعة ومحمد بن شجاع البلخي وولي القضاء بعد حفص بن غياث وكان إذا جاءه خصمان لم يدر كيف يحكم فإذا ذهبا عرف الحكم ولم يوفق في القضاء وكان يحكى عنه قلة دين ‏.‏

قال يحيى بن معين‏:‏ هو كذًاب خبيث وقال أبو ثور‏:‏ ما رأيت أكذب منه قال الدارقطني‏:‏ متروك توفي في هذه السنة ‏.‏

سليمان بن داود بن الجارود أبو الوليد الطيالي مولى قريش وأصله فارسي سكن البصرة وحدَث عن شعبة والثوري وخلق كثير وروى عنه‏:‏ أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وجماعة وكان حافظًا مكثرًا ثبتًا كتبوا عنه أربعين ألف حديث وليس معه كتاب ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا حمزة بن محمد بن طاهر قال‏:‏ أخبرنا الوليد بن بكر قال‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد بن زكريا قال‏:‏ أخبرنا أبو مسلم صالح بن أحمد العجلي قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أبو داود الطيالسي بصري ثقة وكان كثير الحفظ وكان قد شرب البلاذر هو وعبد الرحمن بن مهدي فجذم أبو داود وبرص عبد الرحمن فحفظ أبو داود أربعين ألف حديث وحفظ عبد الرحمن عشرة آلاف حديث ‏.‏

توفي أبو داود في صفر هذه السنة وقيل في ربيع الأول وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ‏.‏

وقيل‏:‏ في سنة ثلاث لهيعة بن عيسى بن لهيعة أبو عقبة الحضرمي يروي عن عمه عبد الله بن لهيعة وكان قاضي مصر ‏.‏

توفي في ذي القعدة من هذه السنة محمد بن عبيد بن أبي أمية واسمه عبد الرحمن ويكنى محمد أبا عبد الله الإيادي الطنافسي الكوفي وُلد سنة سبع وعشرين ومائة وسمع هشام بن عروة ومحمد بن إسحاق والأعمش وغيرهم نزل بغداد دهرًا ثم رجع إلى الكوفة فمات بها في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة خمس وقيل‏:‏ في سنة ثلاث ‏.‏

حدث عنه أحمد بن حنبل وابن معين وابن راهويه وخلق كثير ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن غالب قال‏:‏ سمعت أبا الحسن الدارقطني يقول‏:‏ يعلى ومحمد وعمر وإدريس وإبراهيم بنو عبيد كلهم ثقات وإبراهيم ثقة أو أبوهم ثقة ‏.‏

أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب أبو عبد الله ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ سمعت القاضي أبا الطيب الطبري يقول‏:‏ شافع بن السائب الذي ينسب إليه الشافعي رضي الله عنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع وأسلم أبوه السائب يوم بدر فإنه كان صاحب راية بني هاشم فأسر وفدى نفسه ثم أسلم فقيل له‏:‏ لِمَ لَمْ تُسلم قبل أن تفتدى ‏.‏

فقال‏:‏ ما كنتَ لأحرم المؤمنين طعمًا لهم في قال القاضي‏:‏ وقد وصف بعض أهل العلم بالنسب الشافعي فقال‏:‏ شقيق رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسبه وشريكه في حسبه لم ينل رسول الله صلى الله عليه وسلم طهارة في مولده وفضيلة في آبائه إلا وهو قسيمه فيها إلى أن افترقا من عبد مناف فزوج المطلب ابنه هاشمًا الشفا بنت هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد يزيد جد الشافعي وكان يقال لعبد يزيد المحض لا قذى فيه فقد ولد الشافعي الهاشمان‏:‏ هاشم بن المطلب وهاشم بن عبد مناف ‏.‏

والشافعي ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته لأن المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والشفا بنت هاشم أخت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما أم الشافعي فهي أزدية وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الأزد جرثومة العرب ‏"‏ ‏.‏

ولد بغزة من بلاد الشام وقيل‏:‏ باليمن ونشأ بمكة وكتب العلم بها وبمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان خفيف العارضين يخضب بالحناء وقدم بغداد مرتين وحدث بها وسُمي فيها ناصر الحديث وخرج إلى مصر فنزلها إلى حين وفاته ‏.‏

وسمع من مالك بن أنس وإبراهيم بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد العزيز الدراوردي ومسلم بن خالد الزنجي وخلق كثير ‏.‏

وروى عنه أحمد بن حنبل وغيره من الأكابر ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق قال‏:‏ أخبرنا أبو علي الحسن بن محمد بن شيظم قال‏:‏ أخبرنا نصر بن مكي قال‏:‏ حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال‏:‏ قال لي محمد بن إدريس الشافعي‏:‏ وُلدت بغزة سنة خمس وحُملت إلى مكة وأنا ابن سنتين ‏.‏

قال‏:‏ وأخبرني غيره عن الشافعي قال‏:‏ لم يكن لي مال وكنت أطلب العلم في الحداثة أذهب إلى وفي رواية عن الشافعي أنه قال‏:‏ حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وأنا ابن عشر سنين وما أفتيت حتى حفظت عشرة آلاف حديث وكان الشافعي في أول أمره قليل التلاوة للقرآن لاشتغاله بالعلم ثم أكثر آخر عمره من القراءة ‏.‏

فروى عنه الربيع أنه كان يختم في كل ليلة ختمة وإذا كان رمضان ختم ستين ختمة وكان حسن الصوت إذا سمعه الناس يتلو اشتد بكاؤهم كان أولى أمره ينام ثلث الليل ويصلي ثلث الليل ويطلب العلم ثلث الليل ثم صار يُحيي الليل وأفتى وله خمس عشرة سنة ‏.‏

كذلك أخبرنا عبد الرحمن القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا أبو الطيب الطبري قال‏:‏ أخبرنا علي بن إبراهيم البيضاوي قال‏:‏ حدثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود قال‏:‏ سمعت الربيع بن سليمان يقول‏:‏ كان الشافعي يفتي وله خمس عشرة سنة وكان يحيي الليل إلى أن مات ‏.‏

وذكر أبو بكر بن بدران المعروف بخالويه في كتاب فضائل الشافعي‏:‏ عن الربيع‏:‏ أن الشافعي كان عند مالك وعنده سفيان بن عيينة والزنجي فأقبل رجلان فقال أحدهما‏:‏ أنا الربيع القماري وقد بعت هذا قمريًا وحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح فلما كان بعد ساعة أتاني فقال‏:‏ قد سكت فُرد عليَ دراهمي وقد حنثت فقال مالك‏:‏ بانت منك امرأتك ‏.‏

فمر الشافعي فقال للبائع‏:‏ أردت أنه لا يهدأ أبدًا وأن كلامه أكثر من سكوته فقال‏:‏ قد علمت أنه ينام ويأكل ويشرب وإنما أردت كلامه أكثر من سكوته فقال‏:‏ ردّ عليك امرأتك فأخبر مالكًا فقال للشافعي‏:‏ من أين ‏.‏

قلت فقال‏:‏ حديث فاطمة بنت قيس قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن معاوية وأبا جهم خطباني فقال‏:‏ إن معاوية صعلوك وإن أبا جهم لا يضع عصاه عن عاتقه وقد كان ينام ويستريح وإنما خرج كلامه على الأغلب فعجب مالك فقال الزنجي‏:‏ أفت فقد آن لك أن تُفتي ‏.‏

وهو ابن خمس عشرة سنة ‏.‏

أخبرنا علي بن عبيد الله قال‏:‏ أنبأنا أبو محمد التميمي عن عبد الرحمن السلمي قال‏:‏ سمعت أحمد بن الحسين الأصفهاني يقول‏:‏ سمعت عبد الله بن محمد بن بشر يقول‏:‏ سمعت عبد الله بن محمد بن هارون يقول‏:‏ قال محمد بن إدريس الشافعي بمكة سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال له رجل ‏.‏

ما تقول في المحرم قتل زنبورًا فقال‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏}‏‏.‏

حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ اقتدوا باللذين من بعدي‏:‏ أبي بكر وعمر‏"‏‏.‏

وحدثنا سفيان عن مسعر عن قيس بن مسلم عن روق بن شهاب عن عمر‏:‏ أنه أمر بقتل الزنبور ‏.‏

أخبرنا يحيى بن علي قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الخياط قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن الحسين بن حمكان قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر النقاش قال‏:‏ حدثنا أبو نعيم الأستراباذي قال‏:‏ حدثنا الربيع بن سليمان قال‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ أشد الأعمال ثلاثة‏:‏ الجود من قلة والورع في خلوة وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف ‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال أخبرنا أبو نعيم الأصفهاني قال‏:‏ حدثنا أبو محمد بن حيان قال‏:‏ حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال‏:‏ حدثنا الربيع قال‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ لوددت أن الخلق يعلمون مني ولا يُنسب إليَّ منه شيء وسمعته يقول‏:‏ طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وفي رواية أخرى عنه‏:‏ ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ بل أحب أن يوفق ويسدد وما ناظرت أحدًا إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا ابن بكير قال‏:‏ حدثنا الحسين بن أحمد الصوفي قال‏:‏ حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد ابن زياد قال‏:‏ سمعت المزني يقول‏:‏ سمعت الشافعي يقول‏:‏ مَنْ تعلم القرآن عظمت قيمته ومَنْ نظر في الفقه نبل مقداره ومَنْ تعلم اللغة رق طبعه ومن تعلّم الحساب جزل رأيه ومَنْ كتب الحديث قويت حجته ومَنْ لم يصن نفسه لم ينفعه علمه ‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم الأصبهاني قال‏:‏ حدثنا محمد بن إبراهيم قال‏:‏ سمعت محمد بن عبد الرحيم بن عبد الله يحكى عن المزني قال‏:‏ دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت كيف أصبحت قال‏:‏ أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا وكأس المنية شاربًا ولسوء أعمالي ملاقيًا وعلى الله تعالى واردًا فلا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أو إلى النار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول‏:‏ ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي جعلت الرجا مني لعفوك سلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته بعفوك ربي كان عفوك أعظما وما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل تجود وتعفو منةً وتكرّما أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا حمد بن أحمد قال‏:‏ أخبرنا أبو نعيم قال‏:‏ حدثنا عبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن قال‏:‏ حدثنا ابن أبي حاتم قال‏:‏ حدثنا الربيع قال‏:‏ توفي الشافعي ليلة الجمعة بعد العشاء الآخرة آخر يوم من رجب ودفناه يوم الجمعة فانصرفنا فرأينا هلال شعبان ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا إسماعيل بن علي الأستراباذي قال‏:‏ سمعت طاهر بن محمد البكري يقول‏:‏ حدثنا الحسن بن حبيب الدمشقي قال‏:‏ سمعت الربيع بن سليمان يقول‏:‏ رأيت الشافعي بعد وفاته في المنام فقلت‏:‏ يا أبا عبد الله ما صنع الله بك قال‏:‏ أجلسني على كرسي من ذهب ونثر علي اللؤلؤ الرطب ‏.‏

أخبرنا أبو ظفر بإسناد له عن أبي بيان الأصفهاني يقول‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت‏:‏ يا رسول الله محمد بن إدريس الشافعي ابن عمك هل نفعته بشيء أو خصصته بشيء قال‏:‏ نعم سألت الله تعالى أن لا يحاسبه فقلت‏:‏ بماذا يا رسول الله قال‏:‏ إنه كان يصلي عليً صلاة لم يصل بمثل تلك الصلاة أحد فقلت‏:‏ وما تلك الصلاة ‏.‏

قال‏:‏ كان يصلي علي اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون وصل على محمد كلما غفل عنه الغافلون ‏.‏

كان أحمد بن حنبل كثير الثناء على الشافعي قال أبو سعيد القرماني‏:‏ قال أحمد بن حنبل‏:‏ إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة ما يعلمهم السنن وينفي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكذب فنظرنا فإذا في المائة عمر بن عبد العزيز في رأس المائتين الشافعي ‏.‏

وفي رواية‏:‏ عن أحمد قال‏:‏ ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو إلى الشافعي وأستغفر له وقال له ابنه عبد الله‏:‏ يا أبه أي رجل كان الشافعي فإني أسمعك تكثر من الدعاء له قال‏:‏ يا بني كان كالشمس للدنيا وكالعافية للناس فانظر هل لهذين من خلف أو منهما من عوض ‏.‏

وقال أحمد لإسحاق بن راهويه‏:‏ تعالى حتى أذهب بك إلى مَنْ لم تر عيناك مثله فذهب به إلى الشافعي وقال صالح بن أحمد‏:‏ مشى أبي مع بغلة الشافعي فبعث إليه يحيى بن معين ما رضيت إلا أن تمشي مع بغلته فقال‏:‏ يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر كان أنفع لك ‏.‏

وقال أبو داود‏:‏ ما رأيت أحمد يميل إلى أحد ميله إلى الشافعي ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بإسناد له عن نهشل بن كثير عن أبيه قال‏:‏ دخل الشافعي يومًا إلى بعض حجر هارون الرشيد استأذن له عليه فأقعده الخادم عند أبي عبد الصمد مؤدب أولاد الرشيد قال له‏:‏ يا أبا عبد الله هؤلاء أولاد أمير المؤمنين وهذا مؤدبهم فلو أوصيته فأقبل على أبي عبد الصمد فقال له‏:‏ ليكن أول ما نبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك فإن أعينهم مغفورة بعينك فالحسن عندهم ما تستحسنه والقبيح عندهم ما تستقبحه علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه ولا تتركهم فيهجروه ثم زدهم من الشعر أعفَه ومن الحديث أشرفه ولا تخرجنهم من علم إلى غيره حتى يتقنوه فإن ازدحام الكلام في هشام بن محمد بن السائب بن بشر أبو المنذر الكلبي صاحب سمر ونسب حدًث عن أبيه روى عنه ابنه وخليفة بن خياط ومحمد بن سعد وهو من أهل الكوفة قدم بغداد وحدَث بها وكان أحمد يقول‏:‏ ومن يحدّث عنه إنما هو صاحب سمر ونسب ما ظننت أن أحدًا حدثني عنه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن أبي طالب قال‏:‏ أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن علي المقرئ قال‏:‏ حدثنا علي بن محمد بن الجهم الكاتب قال‏:‏ أخبرنا أبو العباس بن الفضل قال‏:‏ وحدثني محمد بن أبي السرى قال‏:‏ قال لي هشام الكلبي‏:‏ حفظت ما لم يحفظه أحد ونسبت ما لم ينسبه أحد كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن فدخلت بيتًا وحلفت أن لا أخرج منه حتى أحفظ القرآن فحفظته في ثلاثة أيام ونظرت يومًا في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما زاد القبضة فأخذت ما فوق القبضة توفي هشام في هذه السنة وقيل‏:‏ سنة ست ‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ تولية المأمون طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصى عمل المشرق‏.‏

ودخل طاهر عليه يومًا فبكى المأمون فقال له طاهر‏:‏ لمَ تبكي لا أبكى الله عينك والله لقد دانت لك البلاد وأذعن لك العباد فصرت إلى المحبة في كل أمرك ‏.‏

فقال‏:‏ أبكي لأمر ذكره ذلّ وستره حزن ولن يخلو أحد من شجو فلما خرج طاهر أنفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم وإلى كاتبه محمد بن هارون مائة ألف درهم وسأله أن يسأل المأمون لِمَ بكى فلما تغمى المأمون قال‏:‏ يا حسين اسقني ماء ‏.‏

قال‏:‏ لا واللهّ لا أسقيك حتى تقول لي لِمَ بكيت حين دخل عليك طاهر ‏.‏

قال‏:‏ يا حسين وكيف عُنِيتَ بهذا حتى سألت عنه‏!‏ قال لغمي بذلك قال‏:‏ يا حسين أمر إن خرجٍ من رأسك قتلتك قال‏:‏ يا سيدي ومتى أخرجت لك سرًا قال‏:‏ إني ذكرت محمدًا أخي وما ناله من الذل فخنقتني العبرة فاسترحت إلى الإفاضة ولن يفوت طاهر منِّي ما يكره ‏.‏

قال‏:‏ فأخبر حسين طاهرًا بذلك فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له‏:‏ إن الثناء منّي ليس برخيص وإنّ المعروف عندي ليس بضائع فغَيبني عن عينه فقال له‏:‏ سأفعل وبكٌرْ علي غدًا ‏.‏

وركب ابن أبي خالد إلى المأمون فلما دخل قال ما نمت البارحة ‏.‏

قال‏:‏ ولم يحك قال‏:‏ لأنك ولّيت غسان بن عباد خُراسان وهو ومَنْ معه أكَلةُ رأس فأخاف أن يخرج عليه خارج من الترك قال‏:‏ فمن ترى ‏.‏

قال‏:‏ طاهر بن الحسين فعقد له فشخص يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة من سنة خمس ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ ولى المأمون يحيى بن معاذ الجزيرة لما قدم عليه ‏.‏

وولى عيسى بن محمد بن أبي خالد بلاد أرمينية وأذربيجان ومحاربة بابك ‏.‏

وولى بشر بن داود مصر على أن يحمل إليه في كل سنة ألف ألف درهم ‏.‏

وولى عيسى بن يزيد الجلوذي محاربة الزّط ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن والي الحرمين وقد تقدم ذكره ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إبراهيم بن عبد الله أبو إسحاق الخفاف مولى بخيت حدث عن عمران بن عبد الله بن بكير ‏.‏

توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة إبراهيم بن إسحق بن إبراهيم بن إسحق بن عبد الرحمن أبو إسحاق القارئ جمع له بمصر القضاء والقصص وكان رجلًا صالحًا حدَث عن سعيد بن عفير داود بن يزيد عامل السند توفي في هذه السنة روح بن عبادة بن العلاء بن حسان أبو محمد القيسي سمع عبد الله بن عوف وسعيد بن أبي عروبة وابن جريج والأوزاعي ومالك بن أنس والثوريِ وشعبة والحمادين كان من أهل البصرة ثم قدم بغداد فحدث بها فروى عنه أحمد وعلى وابن رَاهَويه والحسن بن عرفة وغيرهم ثم انصرف إلى البصرة فماتَ بها في هذه السنة

وكان كثير الحديث وصنًف الكتب في الأحكام والسنن وجمع التفسير وكان ثقة‏.‏

السري بن الحكم عامل مصر‏:‏ توفي بها في هذه السنة شجاع بن مخلد أبو الفضل البغوي ‏.‏

ولد سنة خمس ومائة سكن بغداد وحدث بها عن هشيم وابن علية وابن عيينة ووكيع وأبي عاصم الفضل‏.‏

روى عنه‏:‏ إبراهيم الحربي والبغوي وقال يحيى‏:‏ هو ثقة ‏.‏

شجاع بن الوليد بن قيس أبو بدر السكوني الكوفي سكن بغداد وحدّث عن عطاء بن السائب والأعمش وغيرهم روى عنه‏:‏ يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وابن المديني وغيرهم وكان ثقة وقال سفيان الثوري‏:‏ ليس بالكوفة أعبد من شجاع بن الوليد توفي في هذه السنة وقيل‏:‏ سنة أربع وقيل‏:‏ سنة ثلاث ‏.‏

عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام أبو محمد الدارمي السمرقندي ولد سنة إحدى وثمانين ومائة وسمع بخُراسان من عثمان بن جبلة ومحمد بن سلام وطبقتهما وبالعراق من عبيد الله بن موسى وأبي نعيم وروح وعبدان وطبقتهم وبمصر من سعيد بن أبي مريم وأبي صالح وطبقتهما وبالحجاز من الحميدي وابن أبي أبيس وطبقتهما وبالشام من محمد بن يوسف الفريابي وأبي اليمان وأبي مسهر وطبقتهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ محمد بن يحيى الذهلي وأبو زرعة الرازي وأبو حاتم ومسلم بن حجاج في الصحيح وكان أحمد بن حنبل يثني عليه ويقول‏:‏ ذلك السيد عرض علي الكفر فلم يقبل وعرضت عليه الدنيا - يعني القضاء فلم يقبل فألح عليه السلطان في القضاء ‏.‏

فجلس فقضى قضية واحدة ثم استعفى وكان رحمه الله على غاية من الفضل والديانة والرواية والزهد والعفاف ‏.‏

وله مصنفات كثيرة من التفسير وغيره وله المسند حدثنا به أبو الوقت وتوفي في يوم التروية أو يوم عرفة من هذه السنة عبد الرحمن بن أحمد بن عطية أبو سليمان الداراني من أهل داريا

وهي ضيعة إلى جانب دمشق جالس سفيان الثوري وغيره وكان من كبار الصالحين‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق قال‏:‏ حدثنا إسحق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطيِ قال حدَّثنا أحمد بن أبي الحواري قال‏:‏ سمعت أبا سليمان الداراني يقول سمعت أبا جعفر يبكي في خطبته يوم الجمعة فاستقلني الغضب وحضرتني نيَّة أن أقوم فأعظه بما أعرف من فعله إذا نزل ‏.‏

قال‏:‏ فتفكرت أن أقوم إلى خلفه فأعظه والناس جلوس يرمقوني بأبصارهم فيعرض لي فيأمر بي فأقتل على غير تصحيح فجلست وسكت ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الحربي قال أخبرنا أحمد بن سليمان النجاد قال حدثنا أبو إسحق إبراهيم الأنماطي قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال‏:‏ سمعت أبا سليمان يقول‏:‏ لولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا ولا أحب البقاء في الدنيا لتشقيق الأنهار ولا لغرس الأشجار ‏.‏

مات أبو سليمان في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة خمس عشرة ولا يصح ‏.‏

نمير الكوفي المجنون أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو محمد الجوهري قال حدَّثنا أبو عبد الله المرزباني قال أخبرنا محمد بن مخلد العطار قال‏:‏ حدثنا العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قال‏:‏ حدثني أبي عن ابن نُمَير قال‏:‏ كان لي ابن أخت سمًته أختي باسم أبي نُمير وكان من فتًاك أهل الكوفة وكان قد سمع سماعًا حسنًا وكان حسن الطهور حسن الصلاة يراعي الشمس للزوال فعرض له فذهب عقله وكان لا يأويه سقف بيت إذا كان النهار فهو في الجبانة وإذا كان الليل ففي السطح قائمًا على رجليه في البرد والمطر والريح فنزل يومًا يريد المقابر فقلت‏:‏ يا نمير تنام قال‏:‏ لا ‏.‏

قلت‏:‏ أي شيء العلة التي تمنعك من النوم قال‏:‏ هذا البلاء الذي تراه قلت‏:‏ يا نمير أما تخاف الله عز وجل قال‏:‏ بلى ‏.‏

وقال‏:‏ أليس أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل‏!‏ قال‏:‏ قلت له أنت أعلم مني قال‏:‏ كلام مضى ‏.‏

قال‏:‏ وصعدت إليه ليلة باردة وهو قائم على السطح وأمه قائمة تبكي فقلت يا نمير بقي منك شيء لم ننكره قال‏:‏ نعم قلت‏:‏ ما هو قال‏:‏ حب الله عز وجل وحب رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏

قال‏:‏ وصعدت إليه ليلة في رمضان فقلت له‏:‏ يا نمير لم أفطر‏.‏

قال ولمَ ‏.‏

قلت‏:‏ أحب أن تراك أختي تأكل معي قال‏:‏ أفعل ‏.‏

قال‏:‏ فأصعد إلينا السطح طعام فجعل يأكل معي حتى فرغت وفرغ فلما أردت أن أقوم رحمته من أن يراني موليًا وهو في الظلمة والريح فبكيت فقال‏:‏ ويحك رحمك الله ‏.‏

قلت له‏:‏ كيف أنزل إلى الكن والضوء وأدعك في الظلمة والبرد فغضب وقال‏:‏ إن لي ربًا هو أرحم بيِ منك وأعلم بما يصلحني فدعه يصرفني كيف شاء فإني لا أتهمه في قضائه ‏.‏

فقلت له‏:‏ لئن كنت في ظلمة الليل فإن جدك في ظلمة اللحد أريد أن أعزيه وأطيب نفسه ‏.‏

فقال لي‏:‏ أجُعِلَ روح رجل صالح مثل روح رجل متلون ‏.‏

ثم قال لي‏:‏ أتاني البارحة أبي وأبوك عبد الله بن نمير فوقف ثم أشار إلى موضع كان أبي يصلي فيه فقال لي‏:‏ يا نمير أما أنك ستأتينا يوم الجمعة شهيدًا ‏.‏

قال‏:‏ فدعوت أمه فصعدت إلي فأخبرتها بما قال فقالت‏:‏ والله ما جربت عليه كذبًا ولا هذا مما يتحدث به ولا قال إلا حقًا وقال هذه المقالة عشية الأربعاء فجعلنا نتعجب ونقول غدًا الخميس وبعد غد الجمعة فهبه مرض غدًا ومات بعد غد فأين الشهادة فلما كان ليلة الجمعة في وسط الليل سمعنا هذه فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج فبادر الحرجة فزلت قدمه فسقط منها فاندقت عَنقَه فحفرت له إلى جنب أبي ودفنته وانكببت على قبر أبي فقلت‏:‏ يا أبي قد أتاك نمير جاورك فوالله ما قلت هذه المقالة إلا لما كان في قلبي من الغم ثم انصرفت فلما كان الليل رأيت أبي في النوم كأنه قد دخل عليَ من باب البيت فقال لي‏:‏ يا بني جزاك الله خيرًا الذي جاورتني بنمير اعلم أنه منذ أتيتنا به إلى أن جئتك تزوج بالحور ‏.‏